الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
271
الاجتهاد والتقليد
الخامس : البرهان القطعي وهو : أنّ أمر ذلك المجتهد دائر بين أن يكون أحد الأمور الثلاثة عليه واجبا ، وهي الاحتياط والتقليد والاجتهاد ، ولا قائل بوجوب الأوّل ، فانحصر أمره بين الأخيرين ، لكن في التقليد عمل بظنّ الغير من غير بصيرة ، وفي الاجتهاد عمل الظنّ نفسه عن خبرة وبصيرة ، ولا ريب في أنّ القوّة العاقلة حاكمة بترجيح الثاني ، وكذا بناء العقلاء عليه ؛ وعلى هذا ، إن قلنا أنّه مخيّر بينهما ، يلزم التسوية بين الراجح والمرجوح ؛ وإن قلنا بتعيين التقليد ، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح ، ولفسادهما لا بدّ من القول بتعيين الاجتهاد عليه ، وهو المطلوب . فإن قلت : في بعض الموارد حكم الشارع بتقديم المرجوح في نظرنا ، كما في حجّيّة خبر ذي اليد ، وحجّيّة شهادة العدلين ، مع تمكّن تحصيل العلم ، كما في الخبر الصحيح المعارض بالظنّ القياسي ، فأيّ عيب في أن يكون ما نحن فيه من هذا القبيل ؟ قلت : برهاننا العقلي تعليقيّ ، بمعنى أنّ بنائنا على تقديم الراجح في نظرنا ما لم نطّلع على أنّه مرجوح في نظر الشارع ؛ والأمثلة التي مثّلت بها إنّما هي ممّا اطّلعنا فيها على ذلك ، فلذا نطرح الراجح في نظرنا فيها ونأخذ بالمرجوح ؛ وأمّا فيما نحن فيه ، فلم يدلّ على ذلك دليل ، فليكن الراجح مقدّما . فإن قلت : الدليل على أنّ الراجح في نظرنا مرجوح في نظر الشارع ثلاثة استصحابات . الأوّل : استصحاب جواز التقليد ، فإنّه قبل حصول الملكة له كان التقليد له جائزا قطعا ، وبعد حصول الملكة وقبل الاجتهاد بالفعل نشكّ في بقاء الجواز ، والأصل بقائه . الثاني : استصحاب وجوب صلاة الجمعة مثلا . والثالث : استصحاب صحّتها بالتقرير المذكور . وبعد وجدان الدليل الشرعي الذي هو استصحاب ، يسقط البرهان العقلي ،